22‏/8‏/2012

ما عُدت أحتاجك

خرجت باكية وعيونها تودع زوجها فى ألم وإنكسار بعد محاولات منه بإقناعها بأن هذا هو الحل الوحيد لبناء مستقبلهما معاً..
فقد أستحلفها بكل ماهو غالى بأنه حتماً سيعود ولن ينساها أبداً أو يفترقا..
نظرت إلى إبنتها التى لم تُكمل عامها الثانى بعد..
وتحدثها والدموع تملأ عيناها لم يعُد لدينا أحد سوى أمل فى عودة أبيكٍ مُسرعاً..
فتبتسم إبنتها وتظن أن أُمها تُلاغيها فتمسح دموعها وتحتضنها كى تُشعرها وتُشعر نفسها ببعضاً من الأمان..
ومرت الأيام والسنون بعد أن كان يكتُب لها يومياً ويحدثها كثيراً
أصبح كل هذا يتضاءل يوماً بعد يوم..إلى أن أنقطع نهائياً
وكأنه تاه فى دوامة النسيان وبدأت غمامة المال تملآ وجهه وحياته أيضاً
فتناسى كُل شىء ولم يفكر إلا فى نفسه وفقط..
فأتخذت قراراً بأنها مثلما تعايش هو بدونها ستعامله هى بالمثل فلم يعُد لديها إختياراً آخر..
بعد أن فعلت المستحيل فى أن تجد سبيلاً للوصول إليه ولكن كل محاولاتها باءت بالفشل..
وكانت عليها أن تنتبه إلى إبنتها التى أصبحت تكبر وتفهم وتتساءل وهذا ما زاد همومها كثيراً
فقررت أن تمحو كُل أثرُ له فى منزلها وكأنه لم يكُن طالما أراد هو الإبتعاد دون مُبرر فلن تبقى عليه لحظةً واحدة بعد أن خزلها وتركها تواجه أيامها وحيدة وهو يعلم كل العلم بأنها لم يكن لديها من تستند عليه سواه..
لذلك فقد أرادت أن تُزيل كل شىء يتعلق به حتى لا تتذكره
ولكن هيهات فكلما أرادت أن تمحو ذكراه تزداد تساؤلات الصغيرة فهى تكبر وتنضُج وتفهم وتعرف بأن هُناك مايسمى بلقب أب فى حياة كل فتاة..
آآآآه ياربى ساعدنى تعلم هى بأن إبنتها لم تتحمل بعد..أن تعرف سر إختفاؤه من حياتهما..
ماذا تقول لها؟؟
فقد تركنا أباكٍ من أجل المال!!
تركنا ولم ينظر خلفه أو يُفكر ولو للحظة بأن هُناك من ينتظره ويحتاج إليه!!!
لالالالا لن تتحمل بل سأترك الأيام هى من تُخبرها وتهون عليها صدمة الفراق للأبد..
فاليوم يمر وغداً سيمر..
شعرت الفتاة بشىءٍ غير عادى ورأت والدتها وهى تبكى بحرقة وتُتمتم بكلمات غير مفهومة ولكنها استوضحت بعضها وعلمت بأن هُناك شيئاً غير عادى وراء إختفاء والدها ومحو كل ما يتعلق به فى المنزل..
فهمت وأستشعرت بحجم الآلم الذى تشعر به أُمها فقررت ألا تُرهقها بعد اليوم بتساؤلاتها المُلحة..
بالرغم من أنها تشعر بفراغاً كبيراً وشيئاً ما ينقصها..
ولكنها أمام والدتها تضحك وكأن لا يوجد ما يشغل بالها
وما إن تنفرد فى غرفتها وتبقى وحدها فإذا بها تجهش فى البكاء  تنظر إلى السماء فتحدثها لأنها على يقين بأنها المكان الوحيد الذى يجمعهما سوياً فتناجيه ليلاً ونهاراً فى صحوها ونومها ولكن دون فائدة..
ولكنها مع طول الأيام وإزدياد الغياب وجدت نفسها لا تهتم وحاولت أن تجد الأمان فى مكاناً آخر..
وأرادت أن تشغل نفسها بأى طريقة حتى لا تُفكر فيه مُطلقاً وحولت شعورها باليأس لطاقة إيجابية فتفوقت فى دراستها ودخلت الجامعة وما إن وضعت قدمها حتى أهتز داخلها شيئاً ما..
شعرت بفيضٍ من السعادة يتسلل إليها 
من أين اتى بها هذا الإحساس وما الدافع إليه؟؟
لا تعلم ولكنها أبتسمت وفقط..
وأنتظرت ماذا سيُجلب إليها هذا الإحساس!!!
وما إن تعودت على جو الجامعة بعد ان كانت تهابه..تعرفت على مجموعة من الأصدقاء وفرحت بهم كثيراً فقد كانت طوال عُمرها لم يكثن لديها أصدقاء لذلك أحبت ذلك المُجتمع مع بعض التحفظ حتى لا تنجرف فى الاخطاء التى كانت تسمع عنها..
فأندمجت وأدركت سر سعادتها التى كانت تشعُر بها..
ومع مرور الوقت أصبح والدها بالنسبةٍ لها طيفاً غير مرئياً لا تعرف له ملامح..
وكلما جاء على تفكيرها..طردته من ذهنها
وأبتسمت فى سخرية قائلة:
هل يتذكرنى أو يتذكر ملامح تلك الطفلة التى كانت تتمنى ان تتربى على يديه؟؟
ما قيمة المال دون الشعور بالأمان؟؟
ما قيمته وهو يحرمنى من أبسط حقوقى فى الحياة؟؟
هل ستعوضنى عما أفتقدته قرابة عشرون عاما؟؟
بالتأكيد لا!!
وكانت هذه آخر كلماتها فى هذا الموضوع..
وأستغربت والدتها بصمتها الدائم وعدم إلحاحها فى السؤال عن والدها كما تعودت..
ولم تتجرأ فى أن تسألها ماهو سبب صمتك هذا؟؟
ومرت الأيام وأنعدمت التساؤلات وظنت الأم بأن إبنتها قد نسيت الامر ككل..
لم تنساه ولكنها تناسته..
فلم تستطع أن تنسى كيف تركها أبيها وتخلى عنها من أجل المال..
وتفوقت أكثر فاكثر وأزدادت علاقتها بأصدقاءها وألتحقت بوظيفة مرموقة بجانب دراستها..
وجاء اليوم الذى تنتظره والدتها بفارغ الصبر الا وهو تفوق إبنتها ونجاحها الباهر فقد كانت فخورة بها  وبتربيتها الرائعة فقد كانت لها بمثابة الأب والأم..
ولم تُرهقها إبنتها فقد كانت تعى تماماً ما تفعله من أجلها حتى ترتقى وتفتخر بها..
وذهبا سوياً إلى الجامعة حتى تتسلم شهادة التخرج والتقدير لتفوقها الباهر فى مجال دراستها ..
وعندما ناداها رئيس الجامعة حتى تُلقى كلمةٍ تروى فيها سبب تفوقها لم تتمالك نفسها وإنهارت دموعها تتسارع على وجنتيها 
مُشيدةً بأن السبب الأوحد لتفوقها ونجاحها هى تلك المرآة التى ضحت بكل شىء من أجلها..
هى كل شىء بالنسبةٍ لها الام والاخت والصديقة وذهبت إليها كى تُقبل يدها مُعلنة بأن هى من تستحق شهادة التقدير..
فدمعت عيناها وقبلتها وقالت لها بأنكٍ من تستحقين التقدير فقد كنتى نعم الإبنة البارة بأُمها..
وكان هُناك من يشاهد هذا بقلبٍ يتحطم..
وما إن خرجا من القاعة حتى وقف أمامهم!!
وصُعقت الأم عندما رأته مُرددة أسمه!!
فنظرت إليها الفتاة فى تعجُب وعيناها تسالها ألاف الأسئلة..
ولم تستطع الام أن تُجيبها على تساؤل واحد..
فتشجع وعرفها هو بنفسه بأنه والدها قائلاً أشتقت إليكِ كثيراًوأقترب كى ياخُذها إلى أحضانه..
فأزاحته بيدها..
تستغربه وقالت أبى!!!!
من أين جئت بها؟؟
الان فقط تذكرت بأن لديك إبنة وزوجة يحتاجون إليك وتشتاق إليهم؟؟
الان تذكرت بأنك لابد وأن تعود لوطنك لأن هُناك من ينتظرك منذ سنوات؟؟
ماذا تعرف عنى؟؟
كيف أستطعت أن تبتعد عنى كل تلك الفترة؟؟
أيام مرت وسنوات ولم تسال نفسك بماذا كنت أشعر؟؟
فقد كنت فى أمس الحاجة إليك...
وهذه المرآة التى تركتها حدها فى نصف الطريق هى من حافظت على من الأيام القاسية..
وكانت لى ذلك الحضن الدافىء فى ليالى البرد القارصة..
وهى الأن بالنسبةٍ لى كُل شىء ولن أحتاج بعدها لأى شىء 
فعُد من حيثُ أتيت..
فما عُدنا بحاجةٍ إليك..

 

هناك 8 تعليقات:

  1. الردود
    1. متهيالى هى دى النهاية الطبيعية لموقف زى ده
      :))

      حذف
  2. صباح الغاردينيا آميرة
    كل عام وأنتِ بخير وسعادة
    هو غادر بمشاعر الأبوة وهي فقدت مشاعر الأبنة "
    ؛؛
    ؛
    قصة تلامس واقعنا كثيراً
    لروحك عبق الغاردينيا
    كانت هنا
    reemaas

    ردحذف
    الردود
    1. أهلا برجوعك تانى لمدونتى يا ريماس منورانى دايما:))

      حذف
  3. قصة واقعية نصادفها كثيرا في حياتنا

    ورد فعل البنت في مواجهة ابيها (اسما) كان طبيعيا

    عجبتني شخصية البنت بإنها تحفظ جميل والدتها وتحول ده لواقع بإنها تردهولها بتفوقها وتخليها فخورة بيا

    أحسنتِ يا اميرة

    بالتوفيق دايما

    ردحذف
    الردود
    1. شكراً ضياء

      كان لازم تبقى كده ولا تبقى الحياة ملهاش قيمة كان لازم يأسها وحزنها يتحول لطاقة إيجابية:))

      حذف
  4. يا سلاااااااااام

    بطريقة عادل امام في مدرسة المشاغبين

    ردحذف
    الردود
    1. ودى بقى حاجة حلوة ولا وحشة:D

      حذف